03 يناير 2012

نعشٌ صغير



أتساقطُ
أمشي
أتحرك
ربما أنطق بحرف
أو اثنين ..

لم يعرفني أحد
مجهولة تمضي
الطريق مظلم
الهوية سقطت في
أرض أخرى ..

لا يهم كل ذلك
لكني ماعدتُ أعرف هويتي..


تتشابه الطرق
أتوه _ربما_
أبحثُ عن خارطة
لأستوطن بقاياها
لكنها تذوب
في دمعٍ شاحب

أنتظر الفجر
لكنهُ يبدو أنه
هجر هذه الأرض
أبقى وحدي هنا
أفتش جيوبي
فحقائبي كلها ضاعت

في صالة انتظار..

لكن جيوبي

خاوية
ماعدتُ أحمل أعواد ثقاب..
غادرني الضوء
والغجرية بداخلي لم تمهلني
فـ رحلت..

خبأتُ يوماً بعض العزلة
فهربت مني
ثم عادت بعدما
اختفت

أعواد الثقاب
فالظلام أسود
وهي تفضل الأسود..
اصطدمتُ بنعشٍ صغير
فصنعتُ بعض الموتى
فربما
اعتدتُ الظلام بداخلهِ معهم..




The painting by Suzanne Alaywan


13 أكتوبر 2011

أن تقتل..


القتل.. أن تُمسك بأحدهم و تمزقهُ بكل ما أوتيت من قوة .. تُخرج أحشائه و تُعلقه بها .. ثم تُخرج قلبه _إن وجدته بالطبع_ لتدهسه بقدميك معاً و بكل وزن جسدك حتى لا يتبقى سوى بعض الدماء منهُ .. يتحول إلى بقعة دماء كبيرة لكنها أصغر من جرح قلبك حينها ستعرف أنهُ قتلك بأشد الوسائل قسوة و أنك كنت رحيماً بهِ جداً فتحاول أن تعيد بقاياه إلى الحياة فتجد أن الحياة انتهت بنهايتهِ , لتدفنهُ و تدفن نفسك استعداداً ليوم القيامة .
***
القتل.. أن تُمسك بسكين فتقطع وريد رقبة أحدهم ليظل يئن و ينزف أمامك .. لكنه يتفوق عليك لآخر لحظة في حياته فيموت دون أن تسيل نقطة دماء واحدة.
***
القتل.. أن تُمسك بسيف و تقطع رقبة أحدهم في ثوانِ, لتسقط رأسه بين يديك و على محياه ضحكة متشفية لأنه سيترك لك أشباحه كي تقتلك وجعاً.
***
القتل هو.. أن يُمسك بإرادة الوجع في كلماتهِ, فيُلقي عليك مايود من وجع وقتما يشاء فتموتَ دون كلمة لأن الوجع يشل و يجعلك تصمت .. كل ما حكيتهُ لم يكن قتلاً و لكن ما فعلهُ.. هو القتل الخالص لوجه الموت.
...

The painting: Angry Red women by Brandi Slovinsky

غرفة ذات طلاء قديم و موكيت روز



أستيقظُ قبيل الفجر بساعة أو أكثر كعادة يومية لم تنقطع منذ ستة أعوام.. أظلُ مغلقة العينان حتى يتسنى لي استيعاب السكون من حولي, صوت الراديو يصدح كخلفية تأتي من مكان بعيد, ربما من السماء حيثُ تنتظرني منذ رحلت, قبل رحيلك لم أكن أستيقظ قبل السادسة و أنهض راكضة و متأججة بنشاط دائم كي أعد ملابسك و الافطار وأستحم ثم أوقظك لتبدأ نهارك معي.

تكره المكرونة و ابنتي تحبها على الرغم أنها تُشبهك في طريقتك, كل يومٍ تزداد عنداً و لامبالاة, تؤمن أن الحياة تحتاج بعض الملل في حبها كي لا ننكسر في قسوتها كما آمنت, لكن قلبك لم يحتمل قسوة الحياة فتوقف عن الدق لتتوقف عن مشاركتي تفاصيل يومك, لم أعد أجدك لأفتعل مشادة عن القائك ملابسك في كل مكان, فأنثر ملابسك في غرفتنا و أوبخ نفسي عن عدم التنظيم فألملمها و أتشممها ثم أعلقها في دولابنا من جديد و اتأملها, تلك البدلة التي في لون السكر كانت تجعلك وسيماً بسمرتك الهادئة, كنتُ أظل أعدل في ياقة قميصك و أفرد الجاكيت ثم أركع كي أعدل البنطلون مع الحذاء ليصبح منمقاً دون أي خطأ يشوبه, ثم نخرج فتحدثك زوجة ذلك الصديق بميوعة أستشعرها من نظراتها و ماآن نعود للبيت حتى ابدأ في اطلاق دفقات من النار بهدوء في أول الأمر و أنا أمثل انهماكي في ترتيب ملابسك التي خلعتها _وأنت مبتسم لصغر عقلي_ فيبدأ الجحيم مني لتخرج بهدوء تجلس بجوار ابنتك لتُشاهدا فيلماً قديماً و تتركاني أقذف كل وجع الغيرة و أنا أذرع البيت جيئة و ذهاباً لا أفعل شيئاً محدداً حتى اهدأ و ابدأ في تحضير العشاء و كأن شيئاً لم يكن و في غرفتنا أقبل رأسك باكية فتربت ضاحكاً معللاً بأنك تعودت على جنوني فلقد تزوجتني منذ كنتُ في الخامسة عشر, لم أكن زوجتك فقط, كنت ابنتك و مازلت.
رحلت ولم يعد بامكاني أن أغير أو أناوشك, فأصبحت أذهب لقبرك أشكو لك عِنّد ابنتك وقسوة الحياة و تَغَيُر الناس ثم ابدأ تأنيبك على رحيلك: (لم يكن اتفاقنا أن تتركني فلقد أخبرتني أنك أصبحتَ في مأمن عن الموت صغيراً لأنك تجاوزت ذلك ذلك السن الذي مات فيهِ أبوك و جدك و أصبحتَ مؤهلاً أن تعيش للثمانين كأعمامك, لكن الموت أعطاك مهلة فقط لتبلغ ابنتنا سن الواحد والعشرين, كانت مهلة خادعة أعطتنا الأمان لترحل فجأة.. كيف تجرؤ على الرحيل؟)

أعود من زياراتك بعينين متورمتين من البكاء فتتجاهلني ابنتك كأنها لم ترى أي شيئ, دوماً لا تحب أن تتدخل في أوجاعي كأنها تخشى العدوى مني, ربما هي فقط تفضل أن تظل متماسكة بقناع ثلجي على وجهها لكنها ما آن تسمع صوت مفاتيح على السلم تفضحها عيناها بنظرتها المسمرة على باب الشقة كأنها تنتظر دخولك ثم تعود للواقع فتقوم لتدفن نفسها في أي كتاب من كتبها العديدة دون أي تعليق, يوم موتك ظلت صامتة مثلك يوم موت أمك, كأنها ميتة لم تنطق سوى بتلك الكلمات الآلية التي ترد بها تعزية النسوة, فقط صرخت وقت خروجك ثم عادت لصمتها من جديد ولمدة عام ظلت ساهمة, ربما مازالت كذلك لكنها تداري كما كنت تفعل دوماً.

بيتنا أصبح خانقاً من دونك, كئيباً, بحوائطهِ الزيتية الغامقة و أرضيتهِ السوداء, لذا ما آن اقترحت ابنتنا أن نغير الدهانات و الأرضية في جملة عابرة _لم تكن تنوي تنفيذها حقاً_, حتى قررتُ تنفيذها ربما يقل الاكتئاب و تتذكر الحياة أننا مازلنا فيها, بدأت بالاتفاق مع العمال و اخترنا ألواناً فاتحة و بدأنا التغيير في ذلك الصيف بعد وفاتك بأربعة أعوام, لقد غيرت ابنتنا غرفتها و اشترت تلك المكتبة الكبيرة التي ظلت تحلم بها طوال عمرها حتى يتسنى لها رؤية كتبها جميعاً بنظرة واحدة و وضعت صورة لك بالأبيض و الأسود في منتصف المكتبة, كأنها تود أن تتذكرك و أنت دون هموم حقيقية .. كل صورك قبيل موتك كانت تنطق بالتعب من الاستمرار في الحياة, أنتَ تعرفُ أنها لا تحب تذكر الوجع والحزن لكنها حزينة دائماً لها عيون لوامة تصرخ دون كلام.. مثلك.
ما آن وصلوا لغرفتنا حتى تسمرتُ, كيف سيغيرون ذلك الموكيت الروز الذي اخترتهُ معك؟ سيتخلصون من تلك البقع المحترقة في أرضيته التي تذكرني بتدخينك و سهوك الدائم؟ طلاء الحوائط البيج الغامق الذي اخترناه في التسعينات حينما كان هو الرائج؟ تتذكر تلك التفاصيل و كيف أنك اشتريت لي في هذا البيت غرفة نوم جديدة و كأنك تتزوجني من جديد.. كيف سأغير تلك التفاصيل التي اخترتها معك؟ حينها قررتُ أن تظل غرفتنا كما هي وتحججتُ بأنه لا وقت ويجب أن ننتهي سريعاً, أعلم أن الوقت متاح لأنني في الواقع لا شيئ ورائي يدعوني للاستعجال لكنني قررتُ أن تظل رائحتك مستمرة في غرفتنا, كيف سأستبدل رائحتك برائحة زيت جديد مقزز يطرد أنفاسك التي مازالت هنا.. لقد تجرأتُ و غيرت التفاصيل حتى لا تظل تهيم في البيت كله.. فقط تظل هنا في غرفتنا حتى لا أبحثُ عنك ليلاً حتى أناجيك, فقط سأغلق الباب و أغير قميصي الأسود لأنك تكره الأسود ,وأجلس على ذلك الموكيت و حولي الجدران القديمة و أفتح دولابك و أذكرك بذلك القميص اللبني الذي كنت ترتديه فتصبح شبيهاً بممثلين السينما و أتحسس البقع المحترقة فابتسم متذكرة كيف كنتُ أظل أنهاك عن التدخين في غرفة نومنا و أخبرك أن لدينا بلكونة تصلح للتدخين, و الآن كم أنا فرحة أنك لم تسمع كلامي لتبقى رائحة دخانك هنا كي أتشممها, ثم أضحك متذكرة يوم أن أحرقت ذلك القميص البيج وأنت مُتعجل للخروج ثم أبكي لأنك لم تعد معي حتى أسمع صخب ضحكتك.

sadness painting by Noredin Morgan

برودة





  أنت ضعيف لا لأنك هربتَ فقط ، ولكن لأنك تحاول تبرير تعاستك ، ارفع رأسك وامشِ باستقامة ، ولا تستسلم للبرودة ، البرودة قاتلة حين نسترخي وننساق لها.
واسيني الأعرج
****
قضمة صقيع للقلب, و ما أنا سوى قلب و حين يحاوطه الصقيع تتجمد الدموع و تزرق أطرافي لتتجمد الكلمات على مرافئ الحزن\الغضب\الدهشة.

**
في حزني الغاضب أشيعُ الحياة في جنازة قذرة تُشبهها, لا كفن لها و لا رحمة فقط دعوات من قلبي بحرق العالم أجمع.
**

رعشة مستمرة في جسدي تجعل وقوفي على قدميّ معجزة بائسة لن تحدث.. التفاصيل حولي مهتزة ربما من الرعشة أو لأن كل الأشياء التي أعتقدتها ثابتة لم تكن هنا في الواقع لكنني تخيلتها .. فليذهب خيالي إلى أرض الواقع و ليحترق.
**

حينما تخبرنا البدايات عن طريقنا نحو قمة الجبل الذي سنُلقي بأنفسنا منهُ.. فلنُلقي بأنفسنا في هدوء دون ضجة لأننا مشينا الطريق.
**

الحياة ليست سوى ولادة و موت يتكرران كثيرا حتى يأتي الموت الحقيقي فلا نهابهُ لأنهُ الموت الأخير.
**
تنميل أصابعي لا يعني أنني سأعجز عن حرق ذلك العالم, فلنرقد جميعا في الجحيم بهدوء.
**
ربما سينجو العالم من الاحتراق فقط لأنه تجمد موتاً.
**
اياكم و تقوى الله لأنكم ستصبحون كائنات تستحق انسانيتها .. وحاشا لله أن تصبحوا!
*** 
Photo by Frozenpandaman

06 سبتمبر 2011

شجرة عجفاء تستند على حائط من الشمع المنصهر


مزاجي أصبح مضطرباً بالرغم من كوب الشاي الممتزج بمذاق الفاكهة الاستوائية, روحي أصبحت تشبه قطعة مخمل فقدت نعومتها الدافئة لتصبح دون شكل محدد, دوماً هناك فترات وهن تجعلني استسلم لحزن غير مبرر, الحياة لم تختلف في تقديمها لنفسها لكنني لم أعد احتملها, ذكريات طفولتي بهتت و قاربَ النسيان على التهامها كاملة, ربما لعطب في الذاكرة أو بتحريض مني حتى لا أحزن لأن طفولتي لم تستمر.
أصبحتُ أنسى الجملة التي أكتملت في الثانية التي تسبق كتابتها مباشرة, الذكريات تتلوى مني و الجمل تهرب فأظل وحيدة دونهما.. أزرق الحزن يمتزج بأسود اليأس في لوحة مكتملة عن وهم الحياة, أغلق الأبواب و الشبابيك لخوفي من تسلل سحابة رمادية أو قطعة من سواد الليل المقيم, طبيعة التفاصيل متقلبة لا تشي بثبات ما يُفرح أو يُحزن, الكتابة مخيفة لأنها ربما توزع قطع من اليأس \ الوجع \ الحزن المجاني لمن لا أرغب في ايذائهم.
افتقد ليلاً صافياً دون تفاهات تلفزيونية سخيفة. لكني استسلم لتلك التفاهات لأنني أكره مواجهة نفسي, أيامي كلها أصبحت خاوية تُشبه شجرة ظل جذعها و اختفت الأوراق و الثمار, شجرة عجفاء قبيحة لا تُشبه نفسها, قطعة خشب ربما يقطعونها غداً و يصنعون منها كراسي توضع في مقهى تافه يرتاده أشباه البشر.
الحياة معقدة أكثر من احياء الموتى, ذلك الأخير واضح جداً لأنه معجزة إلهية و انتهت بنهاية زمن الأنبياء والمعجزات, لكن الاستمرار في الحياة لم يخبروني أنهُ معجزة! كنت أستغرب نفسي أنني في أحلك المواقف كنتُ أظل واقفة وعقلي يطالب باغماءة بسيطة كهدنة اجبارية و تحقق طلبهُ هذا العام لكني حزنت أن الحياة أصرت على جعل حمولها أكبر مني. حزني أصبح هيستيرياً يخبط الأرض بقدميه و يصرخ فيتردد الوجع في القلب كصدى صوت لا ينتهي.
كيف أخبر الدنيا بأني أستسلم مؤقتاً كهدنة لكلينا؟ لستُ ممن يستسلمون لباقي الحياة, سأجلس ساندة ظهري على حائط من الشمع المُنصهر لدقيقة أو اثنتين حتى يحترق ظهري قليلاً فأنهض لأكمل عنادي بقوة ألم الحرق, كل ما أوده هو حائط الشمع المنصهر لأرتاح قليلاً الآن.

The painting: Despair by Jaime Best


06 أغسطس 2011

أماكن تحمل طاقة حزينة



هناك أشياء صغيرة كانت حميمية بالنسبة لي, مجرد النظر لكُتبي و غرفتي و تلك التفاصيل التي ارتضيت بها طوال العمر كفرحة سرية لقلبي, لم تعد تفرحني, أفراحي الصغيرة أصبحت محزنة للقلب.
حبيبي الذي أحببتهُ و ربطتُ بهِ فرحتي, تمنيتُ أن يشاركني أشيائي الصغيرة حتى تتوهج الفرحة من القلب, لكن الزمن يُصر أن تبقى أشيائي في مكان و حبيبي في مكان آخر , فأظل أنتظر في المنتصف ربما يخطو ناحيتي أو تخطو أشيائي ناحيتهِ أو يخطو الزمن مواسياً إياي على تلك الأحلام العريضة .
الحب لا يعترف بالأماكن, لكن الحزن يعترف بها, الطاقة الحزينة التي تتسرب من الأماكن الخاوية تجمد الروح و تجعل الهواء معلقاً في السقف فلا أستطيع اقتناصهُ للتنفس, حينما تغرقني الأماكن التي تنتظره معي فإنني أسبح في عشقهِ و أتكور بداخلهِ لأنام في قلبه كـمكان يحمل طاقة حبٍ تجعلني أستكين بفرحة.

09 يناير 2011

وحدها الأماكن تستطيع إخبارنا بما حدث


منشورة في أخبار الأدب 8 يناير 2011

رأيتهُ يعبر الساحة الواسعة أمام بيتنا ليدخل المبني الأسطواني المرتفع الذي يحمل في نهايته، بقرب السحاب، كرة مُكتملة الاستدارة . سارعتُ بالنزول بقميص منزلي أبيض قطني جديد . كانت ليلة العيد ، ومعدتي تتلوي من الوجع الذي اختلط عليّ سببه ، ربما انتظار العيد أو رؤيتي المفاجئة له . تسارعت خطواتي علي الأسفلت, احتكاك جلد باطن قدميّ كان يحرقني ، حينها لاحظتُ أنني كنتُ حافية في منتصف الطريق ما بين بيتي و بينه ، فأكملتُ بسرعة وتغلبت اللهفة علي الوجع . توقفتُ عند الباب مذهولة أمام سلالم صاعدة بشكل أسطواني لا نهاية لها علي مدي بصري, لكنني استعدتُ الاشتياق بادئة الصعود, لا أعلم كم من الوقت مضي لأجد أنفاسي مُتقطعة أمام غرفة تشبه كرة من الداخل, زجاجية لكنها مطلية بلونٍ أسود, فارغة لا تحوي سوي صندوق كرتوني مغلق دون حبال أو أي لاصق, صندوق عادي عليهِ كتابات بهتت بفعل الزمن . بحثتُ بنظري عنه مرة أخري لكنهُ اختفي . اقتربت من الصندوق بتمهل، جثوتُ علي ركبتيّ . بدأتُ في فتح أطراف الصندوق . وجدتُ جثة لامرأة تبدو ثلاثينية مُقطعة, مرصوصة فوق بعضها . الرأس الذي يحمل شعر أسود مع بشرة بيضاء شاحبة بفعل الموت كانت تستند علي باقي أوصالها بترتيب واضح، الرأس ثم الذراعين ثم الصدر والبطن، لتأتي الأرجل في قاع الصندوق علي هيئة حرف X . تراجعتُ بسرعة لأجد نفسي في غرفتي بمنزلنا، أمي جالسة بجواري تبسمل وتحوقل من الكوابيس التي لم تعد تراعي حرمة الأطفال كما في الماضي،ثم أكملت بنظرة منزعجة _ كمن اكتشف لتوهِ شيئاً غريباً _ أن هذا القميص القطني لن أرتديه مرة أخري لأنه يلتصق بجسدي مُظهراً بدانتي . نظرتُ إلي باطن قدميّ المسودين من تراب الأسفلت وهززتُ لها رأسي دون معني واضح .
لم أعد متأكدة الآن إن كنتُ شابهت تلك المرأة في عقدي الرابع أم لا، لكنني متأكدة أنه اختفي بنفس طريقة ذلك اليوم حينما كنتُ امرأة ثلاثينية .


بعد ذلك اليوم ظللتُ ملتصقة بالشباك الزجاجي الذي يطل علي الساحة التي في أيام الجمعة يقيمون فيها حدود الزنا والقتل والسرقة علي الضعفاء الذين فعلوا تلك الجرائم، لكنني لم أره حتي تركنا تلك البلدة, حتي تمنيتُ في أيام كثيرة أن يسرق فيقيمون عليه حد السرقة _ وهو أهونهم _ لأراه ، و حينما تتملكني أحلام اليقظة تلك، أبكي خائفة أن يَقتل فيُقام عليهِ حد القتل دون ذنب سوي أنني وددتُ رؤيته لمرة أخري في الحقيقة, بعيداً عن الحلم . لقد رأيتهُ لأول مرة في الحلم . كنتُ أطلُ من مشربية عتيقة تُشبه التي في بيت جدي لأبي، حينما مر رافعاً رأسه باتجاهي وألقي بنظرة حريرية تغنجت بها روحي . تحركت نسمات الهواء بجوارهِ حاملة إليّ رائحتهُ التي ظلت تراودني لعدة أعوام لأنها لم تكن عطره, إنما رائحة جلده, رائحة رجولية لم أعلم حينها أنها لا تناسبه .

الذكريات تحتلُ مساحات رحبة من عقلي لكن ليست كل الذكريات, فذاكرتي انتقائية . تمارس الرقابة، كل ما لا يعجبها ينمحي دون إرادة مني، الآن لا أتذكر جيداً حينما قابلته في المرة الثانية هل كان جالساً مع الرجل الذي استقبلنا في بيتهِ أنا وأمي؟ هل هرب دوننا حينما شب الحريق المفاجئ؟ كل ما أتذكرهُ أنني أمسكت بيد أمي وركضتُ ساحبة إياها خارجين من الحريق، ظللنا نركض محنيتي الظهر في تلك الأزقة واطئة السقف, الضيقة ، وهبطنا العديد من السلالم الحجرية التي لم أتذكر صعودي لها وقت ذهابنا, كنّا نختنق من الدخان, وكنتُ أختنق أكثر كلما تملكتني فكرة أنه هرب تاركاً إيانا . أمي أنكرت تلك الزيارة كلها, لتخبرني أن كل ما حدث يومها أن الأخري حدثتني لتخبرني بأنه لها وأنني لستُ سوي رماد كاذب لحريق لم يحدث .. بالطبع أمي أصابها الخرف قبيل موتها لأنه لم يكن هناك أخري لتحدثني .
كنتُ أصرخُ، أبي و أمي ميتان بجواري، أود أن أغسّلهما وأنا وحدي دون من يُعينني, لكن أبي الهادئ دوماً قام من مرقدهِ جالساً بجواري ثم ربتَ علي ظهري وبدأ يملي عليّ الأشياء التي يحتاجونها للغُسل الشرعي، أخبرني بمكان الكفنين في ضلفة الدولاب الوسطي أسفل ملابسهما المنزلية، ثم عاد وأستلقي من جديد علي سريرهما _ الذي جمعهما أكثر من ثلاثة عقود _ بابتسامة من أدي واجبه حتي النهاية, قمتُ من جوارهما أبكي و أصرخ بأنهما تركاني في ذلك البيت الذي لم يغادره سوي الموتي و من تبقي أصابهُ الجنون, ثم أنظر لهما و أنا أُخرج الكفن لأصرخ من جديد بأنهما اختارا الحل الأسهل وماتا وتاركاني للجنون, أترك غرفتهما وأهيم في البيت مكملة النحيب و باحثة عن ما أحمل فيهِ الماء . سمعتُ صوته يأتي من شباك بجواري, نظرتُ، لأجدهُ في شباك مقابل يزعق بأن صوت صراخي ملأ مواسير الحي بأكمله وسبّبَ إزعاجاً لا يُطاق, حدقتُ فيهِ وزعقتُ بأن أبويّ ماتا وسألته منذ متي و هو جاري؟ لكنه أغلق الشباك بعنف دون أن يواسيني أو أعرف الإجابة .

منذ صرتُ يتيمة الأبوين تسلطت عليّ عادة التفرس في الوجوه جيداً في مشاويري ، ربما أجده ليقاسمني الحياة . كنت تجاوزتُ الثلاثين بعامٍ أو عامين حينما رأيته يقطع الشارع إلي الجهة الأخري, ركضتُ وتشبثتُ بذراعهِ ، سحب ذراعهِ بهدوء ليخبرني بأنني كبرتُ قبل الأوان . بررتُ ذلك بغيابهِ و يُتمي، لكنه أدار وجهه ناحية الشارع الذي يهم بعبوره قائلاً فلتبحثي عن رجل يشاركك بؤسك واختفي . لم أتفرس في الوجوه منذ حينها . حتي استيقظتُ في يوم بعد عدة أعوام لأجد الفئران الميتة تفترش بيتنا متناقضة مع اللمعان الذي يسوده, فئران خارجة أمعاؤها في ابتذال يزعجني, أمشي بحذر متفادية تلك الجثث, أشعرُ بالاشمئزاز، القرف، الخوف كأن لعنة أصابتني . تفرستُ ملامحها حتي لمحتُ وجههُ بين القتلي، والجسد لفأر . في موتهِ سكن جسد أجبن المخلوقات . منذ ذلك اليوم والذاكرة لم تحمل مروراً جديد له . كدتُ أنسي ظهورهِ بحياتي بمرور الزمن، حتي سافرتُ مع زوجي إلي البلد التي قضيتُ بها طفولتي لأجده اختار ذات الحي الذي سكنه أبواي،حينها وجدتُ ذلك المبني الأسطواني الذي يحمل كرة سوداء زجاجية, يتوسط الساحة . ذلك المبني الذي أخبروني أنهُ شُيد منذ بضعة شهور، فقط .


Painting by:
VICTOR BREGEDA

Pipe Dreams - 30 x 20 inches Giclee on Canvas


11 نوفمبر 2010

يُشبه النبيذ



تم نشرها في جريدة البديل 11 نوفمبر 2010



أخبرني صاحب البار الصغير أن الولد الأسمر يُشبه النبيذ، سيصبح رائعاً حينما يتعتق جيداً. فكرتُ أنه منغلقٌ جداً حتى أنه لا يسمح لشعاع الضوء بملامستهِ. إنه يتعتق دون قصد منهُ. فـتمنيتُ في سري تذوقه.
***
يحمل الولد ندبات رقيقة في جبهته تشي بطفولة ليست هادئة على الإطلاق، عكس ما يحكيه أنه كان هادئاً لأنه أصغر أخوته، فـتشبّه بهم كرجل صغير. أقرانه كانوا يبجلونه، ربما لأن هدوءه حمل رسالة ضمنية تخبرهم بأنه ليس مثلهم، فكفوا في حضوره عن الشجار والسباب (ومغازلة البنات عند خروجهم من المدرسة التي بجوار مدرستهم).
لم يحكِ الولد يوماً عن رحلاته في أرجاء المدينة منذ أكمل الستة أعوام، عن عشقه المشي دون هدف واضح، عن تأمله تلك المدينة الكبيرة بالنسبة له حينها. كان يتوه كثيراً لكن لم يعرف أحد بذلك، لأنه في نهاية اليوم وقبل غروب الشمس كان يجد نفسه أمام بيته دون أن يعرف كيف حدث ذلك، فقط أمه كانت تلاحظ الغبار الذي يغطيه وتعتقد أن ذلك بسبب لعبه في الشارع.
ذات يوم عرف كيف يصل لذلك الجبل الذي كان يراه من أعلى منزلهِ، صعد على سلالم منحوتة فيه، تأمل المدينة من أعلى، فوجدها ضئيلة جداً لا تشغل سوى بقعة صغيرة كأنها جزيرة وسط الرمال نسيتها الطرق لتظل وحيدة. في هبوطه قرر أن يهبط على الصخور، كمغامرة صغيرة تعوضه عن صغر مدينته الذي اكتشفه يومها، تجرّحت يداه وسقط أكثر من مرة فخُدشت جبهته خدوشاً صغيرة لا تُلحظ. كان يومها ابن العاشرة، فالتئمت جروح يدهِ و بقيت خدوش جبهته، كشاهد على مغامرته.
لكنهُ كان يجيب عن أسباب الندبات بأن جلده رقيق جداً وأحياناً يخدشه دون قصد بأظافره فتتحول الخدوش لـ ندبات.
لم يكن يعرفني، وكنتُ أعرفهُ جيداً، زرته في أحلامه تاركةً آثاراً صغيرة مني، فكان يستيقظ مستغرباً رائحة التفاح التي تعبق سريره وتمتزج بمسامه وأنفاسه لتصبح سحابة لونها أزرق – كمزاجي في غيابه- لم أقصد ذلك، فقط هي محبتي له كانت تفيض حتى أتوسدهُ بخجل حينما يغفو مبتعداً عن الواقع، لأنني لم أستطع توسده في يقظتهِ.
في أول مرة قررتُ الاقتراب منهُ كان في مكان مزدحم لا يحمل تفاصيلاً واضحة سوى غيوم تتعلق في سمائه، لها رائحة الكراميل. اقتربتُ منه سائلةً عن طريق مختصر لتلك السحابة وأشرت بيدي .. فابتسم كأنه يعرفني منذ زمن وسحبني من يدي بحنو، فارتعش جسدي وامتلئتُ بالصمت حتى وصلنا دون أن أعي أي الطرق اتخذ. كنتُ مأخوذة بقربي منهُ، و كانت القبلة الأولى.
بعد هذه المرة توقفتُ عن مراقبتي له من بُعد، لتتعدد رحلاتنا. فتسامرنا في قارب خشبي في نهر مياهه بنفسجية وتحممنا سوياً فيه، فتلونت اللحظة وبقيت. ثم في يوم آخر صنعنا بيتاً خشبياً على شجرة يرجعُ تاريخها لبدء الخليقة فأثمرت يداي بين يديه ضفيرة خشبية أوثقنا بها باب البيت حتى نعود. ومارسنا الحب على قمة جبل في ليلة اكتمال القمر لألد شمساً تاركة اياها للجبل ذكرى منّا.
لكن للحلم قواعد صارمة، ما أن يستيقظَ حتى ينسى كل التفاصيل، تبقى بعض المشاعر المبهمة دون تفسير لديه، ربما وجد ورقة شجر في يده أو لحظة بنفسجية اللون أو نور، لكن كل تلك الأشياء تتلاشى حينما يكتمل استيقاظه، ليعتقد أنها بقايا الحلم الذي نسيه.
كان يكره الاقتراب الحميمي، دوماً يحكي ما يود عن نفسهِ لكن لا يحكي كل شيئ، بالأحرى لا يحكي أي شيئ، يحتفظ له الجميع بتمثال منحوت ببراعة ولا يشبهه، حتى ثرثرته مع الآخرين كلها حكايات دخانية لا يستطيع أحد الامساك بهِ متلبساً في حكاية. وعلى الرغم من قناعاتهِ إلا أنه يحمل تعاطفاً مشوباً باللوم للعشاق، لأنهم من المؤكد يعرفون ما يعرفهُ، لكنهم يتمسحون في أقدام ذلك الإله -الوهمي في نظرهِ- المُسمى بالعشق. إنه صنم لا يحمل أي حقيقة سوى بعض الأساطير عن ألوهيته, وهم يحاولون إحياء الأسطورة بتقديم قرابين من الوجع اللانهائي. كانوا يُذكّرونه بهؤلاء الوثنيين الذين يصرون على عبادة أصنامهم الخالية من الروح والإرادة، فقط لأن آباءهم كانوا يعبدونها، لذا لم يتعاطف سوى مع وجعهم.
***
مؤخراً أخبرني صاحب البار أن الولد تغير حقاً، رائحة الإستغراب من حكايات العشق خفتت تدريجياً، أصبحَ متصالحاً معها، ونظرتهُ اللائمة حل محلها نظرة حنون شاردة، يبدو أنهُ أوشك على التعتق، ثم أضاف ضاحكاً: محظوظة تلك التي سيعشقها.
بعدها، في جلستي معه على تلك الهضبة بمواجهة قصر الحمراء، بدأ يحكي لي عن الحكاية الحقيقية للندبات التي كنتُ أعرفها -و لم أخبره بالطبع- حكى لي عن أول فتاة اقتربت منه لكنه يكره أن يُسأل عن تفاصيله، ولا يحب أن يقدم تنازلات، لذا ابتعد عنها، لم يفهم أي امتزاج بإسم الحب يجعل من حقها النبش بداخل غرفه المظلمة كأنها تفتح الأبواب للأرواح الشريرة. تأمل القصر وسرح حينما كنت أفكر أن عقدة لسانه انفكت ربما لأنه يحب الأندلس أو يحبني!
استكنتُ بين ذراعيه، لتدغدغني زفرات أنفاسه الحارة وتتردد في ذهني كلمة واحدة "محظوظة" .
نمتُ حينها، وحينما استيقظتُ لم أجدهُ. اختفى هو والتفاصيل جميعها. بحثت عن البار حتى وجدتهُ. سألت صاحبه عن الولد الأسمر الذي يحمل ندبات خفيفة على جبهته. فـأنكر معرفته به. ذلك الولد الذي أخبرتني أنه كالنبيذ؟ لم ينظر إليّ وغمغم: الخمر تلحس عقول الناس. هرولتُ للخارج أود الصعود لجبله. بعد ساعات وجدتني هناك، أتسلق سلالمه بلا حذر. شممتُ رائحته التي قادتني لكل الثنايا التي مسها لأجدني في النهاية أتدحرج من أعلى الجبل فأستقر في سفحه. لم أشعر بشيئ سوى أن ندبات جبهته انتقلت لي. فوددتُ الابتسام.

painting: oil on canvas by Victor Bauer

اللنك اضغط هنا

28 أكتوبر 2010

ليست آليس



إنها ليست آليس و لم تكن آليس محظوظة _كي تحاول تقليدها_ فحكايتها توقفت عند انقاذ بلاد العجائب و عودتها, لم نعرف كيف سارت حياتها في الواقع, و هو ما يتبقى من سيرتنا. ما أنقذ آليس أنها خيالية, لو تجسدت لما تحدث أحد عنها أو حتى عن بلاد العجائب.

The picture
Giclee on Canvas
Artist: Tricia Buchanan - Benson

15 أكتوبر 2010

Scream



عنف التدخل في تفاصيل الآخر, اجبارك ببساطة على حميمية لا تودها, اقتحام عزلتك قسراً. كلها أفعال تضطهدُ حيز خصوصيتك كنظام شمولي يُنكّل بالأفراد الخارجين عنهُ .



The painting:The Scream by Edvard Munch

17 يوليو 2010

محبوسة في مراية



اتولدت يوم جمعة ، وقت مطرة ، فعز النهار ، على إيد داية ممكن تقول مصير كل مولود من ساعة ولادته ، وتفضل مستنية يتحقق اللي قالته وتضحك ف سرها وتفتكر إن الدنيا علمتها كتير ، وإن كل إنسان بيتولد مكتوب على وشه قدره ، وتآمن أكتر إن ربنا منظم حياة الناس على يوم وساعات ميلادهم . " مش هتموت إلا عجوزة ، وهتكون أجمل بنت فـ الدنيا " . ابتسمت أمها وحست ف ثانية واحدة إنها خلفت ست الحسن .
كل يوم كان بيعدي كانت أمها بتراقبها ، وتفكر بينها وبين نفسها إن البنت فعلا حلوة ، أجمل من كل البنات ف سنها . ومع الوقت آمنت أكتر بكلام الداية.
طبعها من صُغرها هادي , رموشها طويلة و عنيها واسعة متكحلة رباني , شعرها طويل شبه موج البحر لما تشوفها تحس إنها حلم مالوش خيّال , ( ربنا خلقك عشان تعقدي بنات حوا ) دايما أمها كانت بتقولها كده .
ابتدت تحس بجمالها من صغرها , كانت بتبعد عن أي بنات ,قرايبها أو ف المدرسة , أو حتى الجيران , دايما شايفة ف عنيهم غيرة , و أمها دايما بتأكدلها و تقولها ( جمالك هيخلي كل البنات غيرانة منك فـ ابعدي عنهم وسيبيهم يقهروا ف روحهم)
دايما ست الحسن حاسة إن أختها بتكرهها ,و بتحاول تعمل نفسها أحسن بشطارتها ف المذاكرة , أول ما تشوفها أودام المراية بتسرح ف شعرها و لا بتبص على جمالها , تجري تجيب كتاب و تقعد تقرا فيه , مش عارفة تداري غيرتها!
(الجمال من غير عقل مالوش لازمة يا ست الحسن) أختها دايما بتقولها كده لكن أمها كانت بترد علطول و هي بتضحك ( ده قصر ديل يا أزعر)
هي دايما حاسة إنها أميرة , بـ نظرة من عنيها تنور النجوم ف السما , تقعد في أي مكان و تتفرج على نظرات الإعجاب و الحسد من اللي حواليها , و هي ماشية ف الشارع مع مامتها كانت بتراقب ملامح أي شاب يبصلها و هي فرحانة من جواها بس اتعودت إن ملامحها تكون باردة كأنها مش واخدة بالها أو مش مهتمة .
الزمن بيعدي , و بقت ست الحسن ف العشرين , عز الطلب بحلاوتها و جمالها , العرسان بتيجي و تروح ., لكنها و لا مرة شافت عريس , أمها لسا ما لقتش اللي يليق بيها , مفيش خروج لأنها مالهاش صاحبات , وأختها ف دنيا تانية بعيدة اوي عنها , بقت لما تحاول تقرب من بنات جيرانها تلاقيهم بيهربوا منها , دايما بيعاملوها عن بُعد , مش عايزين يقربوا منها, أكتر من صباح الخير و ازيك مفيش , كانوا شايفينها واحدة كل اللي هاممها شكلها و جمالها . و كانت بتريح نفسها و تقول ف بالها (دول بيغيروا مني) .
بس يعني كل البنات دول أنا أحلى منهم؟
يعني أنا حلوة أوي كده , طيب و هافضل حلوة؟ , طيب هو عشان حلوة يبقى ما ينفعش أخرج براحتي و لا حتى يكون ليا صاحبات؟ .. كانت دايما بتسأل نفسها و ما تلاقيش اجابة ..
مع الوقت بقت حاسة إنها روحها مخنوقة , تيجي تبص ف المراية تلاقي ملامحها بتتغير , عنيها بتدبل .
بيتسرسب جواها سؤال خايف ..يعني الجمال ممكن يروح مني؟
تبص حواليها , حاسة إن حيطان الأودة بتقرب اوي , هتعصرها .
هو الحلوين لازم يفضلوا جوه القفص؟ عصافير ملونة للفُرجة؟ يعني العصفور اللي ف القفص ذنبه إنه ملون؟ لو كان عصفور رمادي عادي كان هيفضل حر طاير ف السما؟
كل العصافير الرمادي بتغني و تطير بدل العصافير الملونة , العصافير الملونة دي للفرجة بس .....
بصت ف المراية مالاقتش ملامح ليها..!
ابتدت فجأة تبطل تبص ف المراية و تفضل ف سريرها ساكتة طول اليوم بتقوم بالعافية . أمها راحت جابت المبخرة و حطت بخور و جابت ورقة قصتها على شكل عروسة و قالتلها (محسودة يا بنتي , خطي على المبخرة سبع مرات ) و مسكت دبوس و قعدت تخزق ف عنين العروسة الورق و تقول
(من كل شر حاسد إذا حسد)
(من كل عين شافتك و لا صلت عالنبي)
(رقيتك من كل عين و استرقيتك يا....
فجأة ست الحسن راحت ماسكة المبخرة و راحت حدفتها ناحية المراية اللي اودامها .. و صرخت (أنا مش عايزة أكون حلوة ) و افتكرت كلام الداية اللي حفظته من أمها " هتكون أجمل بنت فـ الدنيا " ففضلت تردد الجملة بشكل هيستيري ، بشكل جنوني..
أجمل بنت فـ الدنيا بس محبوسة في مراية.


13 يوليو 2010

سكرة




أما اتولدت سكرة صاب أمها الهم و السهاد , ماهو زي ماعلموها يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات , و دخل عليها سي محسن و وشه و كأن حد مات و بصلها زي الجلاد , و قالها: و ناوية على ايه ياام البنات؟ ماتكونيش ناوية على قبيلة ستات؟
بصتله بكسرة نفس و بصت ف ايدها للبت و بصوت مليان غُلب قالتله : هاسميها سكرة لاجل تدوبها ف مرارك و تتسكر أيامك ... قالها:هو في مرار أكتر من خلفة البنات؟؟
سابها و من وراه رزع الباب , من غير رد و لا حتى هاتي أشوف البت و لا حمد الله على سلامتك ياست ..
..
جات سكرة التالتة ف اخر البنات, اصل بعدها ماجاش غير الأسياد آصدي يعني الولاد , كبرت و اتعلمت ..يعني اتعلمت الغسيل و المسح و الكنس و الأهم إنها اتعلمت ازاي تبلع اللسان , ماهو ف البيت الكلام بس للولاد ماهما الرجالة , يعني الكمال ..!
و جالها العدل , حماتها اختارتها من دون بنات البلد, قالتلها ياعيني على الكمال و الأدب اودامك يومين و تبقي عندي ف دار العدل ..!
فات اليومين و راحت بجهازها و فستانها , و لاقت العريس مستنيها على باب الدار, ماهو الحال على الأد و ماعملوش فرح للبت .
و دخلت , و من تاني يوم على الشقا جريت , لا قالت يا أبا و لا ياأما , كل اللي بتقوله لحماتها (حاضر يا ست) , و لأن الشر كان من ست يبقى البت ماغلطتش ..
و كل اللي بتطلبه لقمة لجوعها تسد , و يجي الليل و تتزوق بالأحمر و الأخضر و لا أحسن بت ذوات , و يجي جوزها من غير همسة و لا كلمة يخلص روحه قوام و ياكل و ينـــــــــام
و فضل الحال و سكرة و لا أجدع تور بيلف ف ساقية الحما و الجوز الخرصان ..
و بطنها شالت تلات عيال , بس ماكملوش و صحتها ف النازل و ماحدش راحم , لغاية ماجات يوم وقعت من طولها و الحما عملتلها شوية يانسون و قالتلها انها من الصبح زي الجن هتقوم
و جه صبح و عليه تلاتين صبح , و ف الآخر حماتها قالتلها كلمنا أبوكي يجي ياخد بضاعته المعيوبة , و جوزها خد شاله من جمبها و خرج و لا كأنه سمع و لا حتى شافها قبل كده و لا نوبة ..
و رجعت سكرة لأهلها , وفضلت عالحال ده سنة , و قامت بعدها ماتطيقش الرجالة و تطيق العما , بس جارتهم أم الولاد شافتها و قالتلها و هي بتمصمص ف شفايفها : (قال بيقولوا انك مسدودة و صفرا و مرضانة) ..
من غُلبها بكت ,و مع تاني بخت قالت يمكن تتعدل , و الراجل هو اللي اختارها , هو صحيح على ذمته أم العيال بس و ايه يعني ماهو أحسن من دا الحال ..
و قالها بفم مليان إن أم العيال هتعاملها معاملة هنية .. و يوم ماراحت لاقت مستنياها الست سعدية و حواليها أورطة عيال أشكال و ألوان .. و بصتلها من فوق لتحت و قالتلها منورة يا عنيا .. و الحال ماتغيرش عن المرة الأولانية .. إلا ف إن سي الجديد بيبات ليلاتي عند أم العيال
(ماألعن من سيدي إلا ستي) قالوها يوم ف الامثال
حما .. ضرة
أهو الحال كله غُمة
جات ف يوم سكرة تعبت و ملّت و ف هدومها لمّت و راحت لأبوها , و قالتله :
لما انت داري الحال .. ليه رضيتلي آجي و أدوب ف المرار........
وجات سكرة ف زمن المرار لاجل تسكّر الأيام , بس دي كانت سكرة واحدة يا سادة ياكرام .. و دابت..!

......
ديسمبر 2009 - ورشة كتابة أنا الحكاية

04 يوليو 2010

فنجان شاي خفيف


نُشرت في جريدة الجيل الأسبوعية الأربعاء, 4 أغسطس 2010

طلبت كوباً من الشاي الخفيف في ذلك المقهى الجديد , لم تكن تحب المقاهي الصاخبة التي يرتادها الجميع طلباً للصخب لكنها كانت تواصل الخروج من ذاتها المُنهكة, أتاها فنجان الشاي , و على الرغم من أنها تكره الشاي في فناجين لكنها بدأت في ارتشافه بقناعة ليست موجودة.
إنها تكره الشاي الخفيف أيضاً, لكنهُ لأسباب كثيرة هو الأنسب لها في المشروبات الدافئة, الأنسب و الأفضل كلمات لم تكن تعيرها اهتماما منذ وقت ليس ببعيد , لكنها الآن تفعل ما هو الأفضل و الأنسب و المتاح أحياناً , ربما ليست حكمة و لكنها فهمت أخيراً أنها واصلت العناد حتى استهلكت روحها تماماً و لم تعد هناك قوة بداخلها , فقط بعض الذكريات التي تجعلها تعرف أن الحلول العادية و التقليدية كانت أفضل لها.
لن يلاحظ أحد التغيير , لأنها مازالت تُفضل المشروبات الدافئة عن العصائر , لم تغير العناوين الرئيسية , فقط المضمون لم يعد مهماً, ربما فكرت أكثر من مرة أن تحتسي في فنجان الشاي ماءاً مغلياً فقط , لن يعرفوا, لأن الماء المغلي يُخرج بخاراً , و الفنجان ليس شفافاً و مادامت لن تشرب ما تحبهُ لأنهُ ليس الأفضل إذا الماء هو أفضلهم على الإطلاق , شفاف لا يتلون , ليس مراً و لا حلواً , فقط لا مذاق لهُ , و الأشياء التي لا تحمل مذاقاً لا تجعلنا ننتظر أي شيئ , لا تمنيات , و لا احباطات .
تشم رائحة قهوة تركية , قوية الرائحة , تميزها جداً , فـ تشعر بحنين مخلوط بالحبهان لكنها لا تسمح لنفسها بأكثر من حنين عابر, لم تعد تفهم إن كانت تهرب طوال الوقت مما تُحبه أم أنها لم تعد تهتم كما في السابق؟
كل الأشياء التي أحبتها أصابتها بالكثير , و الكثير هذا ليس جيداً على الإطلاق , إنه سيئ لدرجة أن ايمانها بالأشياء أصبح مشوشاً , ربما لم تعد تُفكر في الأشياء و الأحداث و الأشخاص , كل شيئ يمر و لا يعبر بداخلها , ذلك أفضل لأن داخلها لم يعد يحتمل أي زيارات من الخارج.
لم تعد تستطيع اكمال فنجان الشاي, الأفضل ليس رائعاً بالنسبة لها , لكنها باصرار تواصل الرشفات و هي تخبر نفسها بأنها لم تترك لنفسها قوة تجعلها تتمرد مرة أخرى و من الأفضل أن تكمل فنجان الشاي الخفيف الذي لا تحبهُ.
PAINTING BY YOUQING WANG