13 أغسطس 2014

آخر بيت قديم


احتشاد التفاصيل على حافة الصمت موجعة, لذلك كنتُ كلما مررتُ بمكان قديم وددت لو أخذت جدرانه على (شيزلونج) ليحكي عن كل من مروا من هنا وتركوا تفاصيلهم لتؤلمه وتجعله يتشقق يوماً وراء يوم, البيوت القديمة تحمل رائحة عطن عطرة, كأنها عطر التعتق \ الوجع \ التفاصيل.
.....
نعم.. لقد سكنت تلك البيوت وهربت منها, كنتً استيقظ في أيام مُشرقة وفي أيام باكية دون أسباب خاصة, مع الوقت أصبحت أربت على حوائط البيت في الأيام الباكية وأحاول أن أصنع بعض البهجة فـ ربما تبدلت الذكريات, لكنني لم أكن مُبهجة بما يكفي, لقد تركت تلك البيوت وهي ممتلئة بملاحم من الوجع, و ربما بعض الوجع مني.
الهواجس لم تتركني, كيف تركتُ بعض تفاصيلي في أكثر من مكان و رحلت ببساطة؟
ربما يوماً يستطيعون معرفة التفاصيل من الأماكن, كل ما عليهم أن يتقنوا اللغة الخاصة بالمكان كما حدث معي, كانت لعنة, كل المعارف ملعونة لكن تلك اللعنة مُرهقة وأنا لا أشكو طوال حياتي سوى من الارهاق.

مُقتطفات من آخر بيت قديم..

 اليوم الأول: كلما دخلت المطبخ وجدتُ نفسي أصنع (نسكافيه) وأضيف له بعض الفانيليا وابتسم دون سبب, ربما جدران ذلك المكان تحمل بعض البهجة التي تركها أحدهم.

اليوم السابع: كلما أغلقت باب الشقة بعد دخولي المنزل تستقبلني رائحة مزدوجة من عطر نسائي يُشبه "المِسك" و عطر نفاذ مختلط برائحة رجولية.. لا شك أن ذلك يُسحرني.

اليوم قبل الأخير: تلك الثُرية الأثرية لونها شاحب على غير المعتاد, كأنها تموت.

اليوم الأخير: تلك البقعة شبه الدائرية على الحائط التي لم يُفلح في اخفائها الدهان الجديد, على الرغم أنني أكاد أن أجزم أنها لم تكن هنا يوم أن سكنت, لقد بدأت في الظهور حينما لمست مكانها دون قصد, لقد أخبرتني أنهُ ضربَ رأسها في ذلك المكان تحديداً, كانت مشاجرة ما من أجل أنها اتهمته باللامبالاة والغيرة في ذات الوقت, كما وشت بلاطات الممر التي بدأت تحكي عن امرأة أخرى ذات شخصية قوية تعامله كـ عرائس الماريونيت.
 هربتُ من الجلوس بجوار تلك البقعة. واخترتُ تلك الغرفة ذات الألوان المُبهجة, لم ترحمني هي الأخرى, لقد مات ذلك الطفل هنا حينما كان صوت الشجار أعلى من صوت اختناقه.
لم يتبقى لي سوى غرفة واحدة, ولم أستطع البقاء فيها أكثر من ساعة, صوت البكاء والاتهامات والوحدة جعل الأرق يلازمني سنوات بعد ذلك, هو بكى معها أيضاً, البكاء مزودج هنا وتقطعت الخيوط التي تتحكم فيها الأخرى لكن متأخراً..

يجب أن أجد مكاناً أبيت فيه تلك الليلة ومن الصباح سأغادر ذلك البيت المجنون.
"الشُرفة" لكن أثر كسر خفيف على السور أخبرني أنها أنهت الحكاية من هنا .

وقبل الصباح رحلتُ

...