22 نوفمبر 2016

حافة الحكاية



نافذة مغلقة بقماشة ممزقة, كنت أراها كل يوم حينما أفتح زجاج نافذتي, في البداية لم ألحظها, ثم في يوم ممل كالعادة قررت أن أفتح نوافذ غرفتي دون الخروج منها, أحضرتُ زجاجة نبيذ وقررت أن أظل في سريري وأنهمك في اللاشيء, إنني أعرف اللاشيء حينما أراه, بعض من قراءة المقالات التي لا فائدة منها وإنهماك في وسائل التواصل الإجتماعي كي أشعر ببعض الصخب في المياه الراكدة, لا شيء مهم على الرغم من أهمية كل شيء.
...
سألني إذا عاد الزمن هل ستؤيدين الثورة؟
ببساطة قاطعة أخبرته: لا.
...
القماشة ممزقة على النافذة, لكنها نظيفة, هناك شخص يحتمل الأشياء الممزقة على عدم النظافة, ربما ربة منزل عاملة لا تجد الوقت كي يأتي ذلك العامل الذي يطبع كل أرضية المنزل بآثار حذائه كي يضع لوح زجاج سليماً.
...
هل الجميع يود أن يصبح علي البدري حقاً؟
أنا أود ذلك.
...
تلك الشقة في الطابق الأخير, كيف يترك نافذته بلا زجاج, لو كنتُ مكانه لوضعت قضباناً حديدية, ربما هو رجلاً طاعناً في السن وأصبح لا يخاف أي سارق يهاجمه, أو حتى يقتله, لقد أصبح يود الموت ولا يخافه.
...
حينما سألكِ ابنك هل أنتم الجيل الذي ضيع كل شيء؟
أخبرتيه حينها أن الشيطان يكمن في التفاصيل لكن ربما حدث.
...
لقد لاحظت أن الشقة ليست قريبة وربما القماشة ليست نظيفة حقاً, النظر يخدع مع الزمن, ربما صاحب الشقة أصبح في بيت عجزة, أو ربما مات.
...
كيف حدث ياأمي؟
هل تتذكر اليوم الذي قررت فيه السباحة وأنت لم تتعلم بعد؟ كيف أنقذناك في اللحظة الأخير؟ الحكاية ذاتها لكن لم نجد من ينقذنا.
...
اليوم لم تعد هناك تلك القماشة, هناك زجاج جديد ملون بطريقة سيئة, إذا ربما باع الورثة الشقة.

The Painting: Standing on the Edge by Denise Shea

03 سبتمبر 2016

كل التفاصيل فرحة



طريق التيه طويل لا ينتهي, لكنني من قررته, واخترت طريق الحقيقة, ثم اكتشفت أنه لا يوجد حقائق مؤكدة, يوجد اعتقاد أن تلك هي الحقيقة, لكن الحقائق تمتزج بالقلب وتجعل الألوان مختلطة, الأزرق مسهُ الأصفر فأصبح أخضراً, لم أقصد لكن الحياة لديها اضافتها التي لا تخضع لأي إرادة, لذا فلأبتهج.. الحياة ذاتها قررت التدخل في حياتي..!
هل مللت؟ لم أفعل, كدت أن أفعل لكنني وجدته بهدوءٍ شديد لم أعتقده, كان يشبهني, حياته لا تملك تفسيرات واضحة, هو حاول مع التراث الجمعي وأنا رفضت, وتقابلنا في مفترق طرق, هو كان يفكر أن التراث الجمعي من التقاليد جعله في التيه, وأنا كنت بمنتصف التيه لأن أطرافي تجمدت وتساقطت خارج القطيع.
رجلاً اتبع كل القواعد وامرأة نبذت كل القواعد تم اللقاء بينهما, ووقعت الحكاية كلها, ما بين الأرض و بلوتو.
ثم وجدت أن الحكاية أبسط من كل تفاصيل أي مُدعي, بقية تفاصيلي لديه.
هل ستبقى بقية التفاصيل لديه؟
أتمنى ذلك, التفاصيل هي حكاية العمر, حكاية الحياة التي أستطيع حكايتها لأحفاده وأبنائه مني أو من غيري, كل شييء منه يحتمل التقديس, وأنا امرأة لا تملك شيئاً سوى قلبها, و حكاية عُمر.. ربما يوماً سأحكيها.. أو سأتوقف عن الحكي وأستمتع بها حد الثمالة .. وتنتهي الحياة بذلك الرضى الذي لا يُحكى عنه.
الصمت فرحة .. والكتابة فرحة.. والحياة فرحة .. وقلبك فرحة.. وأنا معك امرأة على قمة الرضا والفرحة.
كل الحكايات قبلك كانت "بروفة" لقدومك, وأتيت...

The Panting: Chaotic Craziness by Kris Haas

09 يونيو 2016

العالم خارج الورق



كم مرة كتبتُ مانيفستو كره البشر؟
أعتقد أنني لا أستطيع العد...

...
لحد ماتميت ست سنين
أنا كنت بحب البني آدمين 
وكرهت الناس من بعديها 
علشان نسوني أنا أصلاً مين*
...

عن العالم خارج الورق, مرهق حد الحزن, لقد صنع مني أخرى لا أستطيع التعرف عليها, هناك شيء من الشبه بيني وبين الجميع, ثم كل محاولاتي للتأقلم فشلت بطريقة ما, لا توجد قواعد واضحة, أو هناك قواعد لا تناسبني, الرحلة طويلة, والعمر مهما قصر فهو طويل يشبه ظلاً ل انسان بطول الزمن.

...
سَبتني الدنيا بستين أم 
وسَبتلها مية ملة ودين*
...

كنت قوية أكثر مما ظننت, ثم ظللت أحمل كل مشاكل العالم ماعدا التي لدي, لم أحمل يوماً مشكلة تخصني حتى نهاية الطريق, كأن مشاكلي هي احدى مميزاتي ولا يجب التخلي عنها, تعلم الحياة ليس بتلك السهولة.

...
وفي وقت السين 
أنا آخر جيم*
...

حكايات الوجع لو تذكرتها فقط أو حتى آمنت بذلك الإحساس الأولي لمرة واحدة لكنت نجيت في العالم لكنني أثور في اللحظة الأولى ثم أعود وأنسى وأمنح فرصة جديدة للعالم والبشر كي يثبتوا حسن نواياهم ثم أنسى أن تلك فرصة وأؤمن بحسن نواياهم, وأُقتل.

...
أنا جرح قديم كان متغطي 
اكمني مشتي ولابس كم*
...

لقد حزنت لكنني لم أبكي لأول مرة, لم أفهم, أول صدمة في حياتي لا أبكي فيها على الإطلاق.
اليوم نظرت للحكاية كلها فوجدت أن البشر حكاية كوميدية, وكنت في تلك الحكاية ونجوت أخيراً, فليبقى البقية في دائرة العبودية ولأعد لتسليتي في صف المتفرجين.
"إن الثور ينطحه"
"إنه يهرب من الثور"
"لقد قتله الثور"
تلك الحكاية الأبدية ولقد وقعت في الشرك وتحررت قبل أن يقتلني الثور.

...
أنا آخر تايب ف صحابي*
...

اكتشفت بعد العمر الطويل أن الكتابة لا تمسني سوى وأنا داخل حدود الوجع, ولأنني اكتب منذ مراهقتي كان اكتشافي أنني في آخر عام ونصف تقريباً كنت في منطقة بعيدة عن أي نقاط تماس مع ذلك الوجع.
لقد عشت عمراً كاملاً من الوجع حتى أنني لم أتعرف على شيء غيره وظللت لا أفهم سبب عدم تمكني من الكتابة.
الكتابة بالنسبة لي رد فعل يقيني الوجع مثلما يفعل هو, هو والكتابة شرنقتي الأبدية.
......


*من قصيدة "تفرانيل 50" ل مصطفى ابراهيم
Freedom is painting by Sandy Tracey


26 فبراير 2016

أغاني تسعينات.. Packages .. سُلم بالعرض


متعة الاستماع لأغاني التسعينات أصبحت تؤرقني, في البداية لم أفهم أسباب محبتي الغريبة لتلك الحقبة والمتعة التامة التي تمنحني إياها تلك الأغاني التي لا تحمل شيئا محددا يجعلني بتلك الراحة, في التسعينات لم أكن سوى طفلة, من المفترض أن أغاني الألفية أكثر ارتباطاً, الألفية حيث مراهقتي وبعض نضجي, ثم أدركت أن التسعينات هي الحقبة التي لم أكن بدأت اتخاذ أي قرارات فيها, تلك الحقبة التي لم أكن حصلت بعد على أي من حقائب أحمالي.

ربما بعد كل شيء لو عدت من جديد لذلك الفراغ الأبيض في حياتي لما اتخذت أي قرارات, حينما وصلت لعمري الآن اكتشفت أني أحمل packages  ثقيلة, كلنا لدينا, لكنني لم أعد أستطيع التحمل, قرارات خاطئة وطرق خاطئة ثم اختناق كلما وجدت أن الأحمال لا تذهب لأي مكان, تتكدس حولي, ولا أستطيع تبرير شيئاً بأفكاري الحالية, حينما حملتها لأول مرة كان لدي مبرارات واضحة وقاطعة ثم نسيت و تغيرت أفكاري. لم يعد لدي مبرارات ولم يعد لدي مفر من حملها.
فقط لو أستطيع العودة لآخر لحظة في تاريخي قبل اتخاذ أي قرار ليتجمد الزمن, وأبقى هناك ليتكرر آخر يوم ببعض الملل والكثير من الخفة لكنني لن أقابله بذلك الهروب أيضاً, لا حلول هنا.


حالياً أحمل السُلم بالعرض وظهري يؤلمني, وكل الأبواب لا تسع سُلماً بالعرض لقد حاولَ أن يُدخل ذلك الُسلم لكنه مرهق أيضاً, فأظل واقفة مكاني وأبحث عن فجوة زمنية لأعود منها كأي طفلة كانت تحب الخيال ولم تؤمن بالواقع سوى متأخراً جداً, لم تؤمن بالواقع سوى بعدما وجدتهُ، وذلك أيضا كان متأخراً جداً.

13 نوفمبر 2015

عن هاري بوتر وأشياء أخرى..

هل فكرت يوماً أن أفضل وسائل السفر هي الانتقال في الحال كما يحدث مع هاري بوتر وأصدقائه, ماالذي سيحدث لو كل منزل قرر أن يجعل هناك فجوة في مدفأة أو حتى في الخزانة للإنتقال في الحال, ببساطة كأنك تقطع بمشرط جراحي في الحال بدلاً من حالة الوجع الذي يطول مذ صباح يوم سفرك حتى تبدأ الطيارة في الإقلاع, ثم يبدأ زوال الوجع وبداية اختناق الروح, أكره المطارات في رحيلك وأعود لمحبتها يوم عودتك, لذا المرة القادمة فلتسافر من باب الخزانة .

آه تذكرت.. أنا هنا لأني أحاول العودة للكتابة, وقد قررت أن لا أكتب أشياءاً حزينة لذا لن أكتب إلا بعد عودته, وبالطبع اليوم لن أكتب نصاً ولا قصة, لا يعود الانسان لكوكبه ثم يهبط على أقرب مقهى وببساطة يحتسي كوباً من الشاي, يجب أن يتأقلم أولاً بهدوء, لقد ابتعدت منذ مايقرب من السنة, قررت حينها أن وقت الصمت أتى, كنت أعيش حالة البلاتوه, خط مستقيم لا يهبط و لا يعلو, لا شيء لدي لأكتبه أو أفكر فيه أو حتى أوده, فقررت أن وقت الحياة الحقيقية بكل الملل الذي تملكه قد أزف وهبطت هبوطاً تاماً للأرض, ثم وجدت أن الحياة جيدة  لكن ينقصني أن أفهم, الكتابة دوماً كانت محاولتي الحقيقية لفهم كل شيء, دونها أصبحت أكثر سطحية ودنيوية ولكن أكثر راحة بال حتى وجدت ثقباً أسود في روحي بدأ يلتهمني.

 لم أتوقف يوماً عن شد ذيول كل شيء ووسيلتي دوماً كانت الكتابة التي تجعلني أتخفف من شيطناتي \ حيرتي, لم أتعود يوماً أن أتواصل مع الحياة طوال الوقت وجهاً لوجه, مرهقة تلك المواجهات و ردود الفعل دون صفحة بيضاء أحاورها كات كارثية, لذا عدت ببساطة لأنني لا أتواصل سوى عن طريق الكلمات.
والآن أتى وقت محاولة الإقلاع قليلاً عن الواقع...
لذا ربما عدت.

The painting: swallows Return by Trudi Doyle

23 يناير 2015

لقد خلق الله التفاصيل لنتغير



محبة الخيال والروايات وقصص الحب وحتى الأفلام والمسرح وكل تلك التفاصيل الممتعة جعلت مني امرأة شائكة لا تليق سوى بنفسها, ربما يعتبر البعض ذلك غروراً لكنه بالنسبة لي تفاصيل مُعقدة تليق بالحياة التي أغرق فيها, لا أُنكر أنني آمنت بالخيال يوماً وسأبقى أحبه حتى آخر ماتبقى من أنفاسي ولكن ذلك أصبحَ مُقتصراً على الركن الخاص بي, وعند أول خطوة للخارج أتخفف من كل تلك المحبة لأتحول لأخرى تتحدث عن الواقع وتقليل سقف التوقعات حتى تكتمل الخطط, لكل شيء تخطيط حتى الارتباط, كل شيء يخضع للمنطق.


كل ماأودهُ ياعزيزي أن تظلَ في الخارج قليلاً حتى يتسنى لي ارتشاف مشروبي الدافيء والتخلص من تلك المرأة الضعيفة\الحالمة _التي أكونها في خلوتي_ وسألاقيك وأنا واقعية جداً وأجيد الأمر والنهي.. ووضع الكحل! وستحبني كيفما أريد, لا اشتياق هنا, فقط خطة استراتيجية ستجعل الحياة مستمرة والنتائج مضمونة جداً, وبالطبع لا حب وعشق هنا, لأنني توقفت عن تلك الأشياء الصبيانية منذ آخر مرة قلبي لم يتوخى فيها الحذر.

01 ديسمبر 2014

Lollipop


كما يعقد البنات السُكر سراً, ألملم الوجع من نواصي حكاياتي وأتيمم بهِ سراً, أتيتم وأترمل دون أن يعرف أحداً, تلك القاعدة لم تُكسر ولو مرة واحدة على سبيل التغيير, الصراخ على حافة شفتاي متجمداً في ابتسامة بلهاء أواجه بها العالم, الدموع تتسرب من أنفي بهدوء.

أقف على حافة العالم ساخرة من كل شيء ولذلك يغضب العالم مني ويعاقبني وأكمل السخرية ويكمل العقاب الأزلي, حلقة لا تنكسر, لا إنها تنكسر أحياناً لأسقط باكية وحدي من تلك القسوة التي لا تساوي سخريتي فأنزلق جالسة وأطوح قدماي بحركة تناسب الجنون الذي لا ينتهي, أتخيل نفسي أطير دون جسد يُكبلني فأغمض عيناي وأبتسم ابتسامة مائلة, ساخرة _دون قصد_ فأسقط فجأة ليلعنني الوجع ثانية.

أحببت (المصاصة) التي بمذاق الكابتشينو منذ أربعة عشر عاماً ومرت السنوات ولم أجدها ثانية, وببساطة لم أجد من عرفني عليها يوماً, مات كما يقولون, لم أفهم بعد آلية الموت ولم أعد أبحث عن تلك الشكليات, الموت هو الموت, يختفون ويتركوننا نتذكر حكايات أول كل الأشياء دونهم, أول ابتسامة أنثوية , أول اعجاب, أول حب, أول كلمة حلوة, أول ابتسامة حانية تُشبه الابتسامة الأبوية, أول (عيدية) مكونة من الديناميت والصواريخ, أول وآخر وأجمل عينان رماديتان قابلتهم, لقد كنت نسيت أنني تركت لدى أحدهم قدر من البدايات واشتبكت بمدار الحياة العبثي لأدور حول نفسي وأفقد تفاصيلي لكن الدوران توقف فجأة .. لقد سئمت من كثرة سماعي لعبارة "لقد كبرنا" , إكليشيه ممل, ببساطة لم أكبر لدرجة وصولي لنهاية أول الأشياء.

ثم مايؤرقني أنهم يرحلون دون أن نودعهم ونحكي لهم كل حكاياتنا الفاشلة التي اشتبكنا فيها, يرحلون دون أن يشرحوا لنا قوانين الفيزياء في الطفو على الوجع وتبريد الحزن بالماء أو الزيت أو حتى (بمصاصات) الكابتشينو, يرحلون قبل أن يخبروننا أننا كبرنا حقاً, يتركون لنا مرارة تكرار نفس الكلمات "لو كنا فقط مررنا بهم قبل الموت".


ربما سأمر بك حاملة باقة من (المصاصات) التي أحببناها أنا وأنت وصديقتي التي كنت تُلقبها بنصفي الآخر كي أحكي لك كل شيء, ربما حينها تبتسم أو أبتسم.

***
إليك.. وكم كنت تعلم محبتك .. 

16 أكتوبر 2014

هناك



على ضفة العمر الأول
تركت كوباً من "الآيس كريم"
و كبرت..
لم أقصد حينها ألا أكمل المُتعة
كنت ساذجة
اعتقدت بأن الأشياء تبقى..
و انتهيت بكوب مليئ حتى حافته
مصلوب هناك
وقدمي مغروسة لا أقوى على الحركة..
اتأمله كطيفٍ يشبه كل الراحلين
فـ ألعب مع الكلمات
ربما لو كتبته بالضوء
عاد.

23 سبتمبر 2014

هواجس ثلاثينية


الخلود.. هل يوجد الخلود في أن يبقى اسمك في تلك الحياة على مداها؟ إذ كان ذلك هو تعريف الخلود فإن التعريف ينتهي بانتهاء الحياة, التي ربما تنتهي غداً لأن أي انفجار حدث قد أنهاها مثل ذلك الإنفجار الذي بدأها, لذا نعود لسؤال أين الخلود الذي يمكن أن نترك كل الحياة التقليدية \ المملة \ المأمونة العواقب من أجله؟ هل الخلود سيكون في الحساب النهائي على أفعالنا أم سنحاسب على كل محاولاتنا للرؤية من جانب آخر؟ هل الفكرة في الطاعة أم في الفكر.. تساؤلات مرهقة.

الحياة أصبحت رأسمالية بحتة, وعلى الرغم أنني لستُ ضد ذلك لكنني لا أستوعب أن يتم بيع وشراء كل شيئ بناءاً على رصيدك في البنك أو بناءاً على حسابات محددة من نوع ماذا ستترك لتحصل على ذلك, أصبحت أعرف بطريقة ما, أنه لا أحد سعيداً لكن البعض غير ممتعض وراضي والرضى نبع من الاستسلام أو الجهل, والبعض الآخر لم يفكر في تقييم حالته. حتى الجانب اللاتقليدي يعتمد على بيعك الدفء وفي المقابل ربما تحصل على إجابات لكل تلك الأسئلة التي تجعلك تتحلل حرفياً من الحيرة, و ربما لن تحصل, إنها المقامرة في أوج صورها دون أن تستطيع تجريمها.

أترك نفسي أحياناً للحياة لتفعل ما توده فيّ, أتجرد من التمرد وأتصالح مع كل شيئ,  أصبح خاوية, هل رأيت يوماً ظلاً يمشي وحيداً؟ أصبحتُ ظلاً لكل شطحات تلك الحياة, يوماً هنا ويوماً هناك, تائهة جداً, بائسة جداً, مستسلمة جداً, لا أثر لأي تمرد يُشبهني, قد فعلت بي الحياة كما تفعل الأنظمة المستبدة في شعوبها, جعلتهم يستسلمون, لا روح لهم, موتى أحياء.

هل تُهت يوماً وأنت صغير لتواجه حشود من البشر المجهولين؟ وتتعرف على أرضٍ جديدة لم تعرفها يوماً؟ ذلك هو شعوري, الجميع غرباء و المكان ليس مكاني, وتُلح عليّ جملة (أحمد زكي) في أحد أفلامه حينما قال "كلنا فاسدون ولا أستثني أحداً", كلنا فاسدون وتائهون ولا أستثني أحداً أيضاً, فقط هناك من قرر ألا يفكر في ذلك.


القطيع على الرغم من غبائه و تابوهاته الكاذبة إلا أنه أكثر دفئاً, القطيع ليس فصيلاً اجتماعياً أو سياسياً فقط, لكنه أكثر من ذلك, إنه طريقة حياة للأغلبية, إنه طريقة لمواجهة الحياة والتعايش معها من التراث الجمعي لدينا جميعاً, و من الشرور أن تتمرد عليه, لأنك حينها ستصبح مثلي, ربما ليس مُخطئاً لكنك منبوذاً بطريقة ما.

الحروب لا تناسب كل أوقاتنا البيولوجية, الحروب تناسب "قطيع الحروب" طوال الوقت, لا نحنُ.

لم أعد أقوى على الحروب الفردية لذا لجأت لهدنة طويلة ستأخذني في طريقها وحينها سأجد نفسي في آخر صفوف القطيع, ربما أنضم للدفء و ربما أضربهم بكل السهام التي في جعبتي.
لا أعلم.
ولا أحد يعلم.


13 أغسطس 2014

آخر بيت قديم


احتشاد التفاصيل على حافة الصمت موجعة, لذلك كنتُ كلما مررتُ بمكان قديم وددت لو أخذت جدرانه على (شيزلونج) ليحكي عن كل من مروا من هنا وتركوا تفاصيلهم لتؤلمه وتجعله يتشقق يوماً وراء يوم, البيوت القديمة تحمل رائحة عطن عطرة, كأنها عطر التعتق \ الوجع \ التفاصيل.
.....
نعم.. لقد سكنت تلك البيوت وهربت منها, كنتً استيقظ في أيام مُشرقة وفي أيام باكية دون أسباب خاصة, مع الوقت أصبحت أربت على حوائط البيت في الأيام الباكية وأحاول أن أصنع بعض البهجة فـ ربما تبدلت الذكريات, لكنني لم أكن مُبهجة بما يكفي, لقد تركت تلك البيوت وهي ممتلئة بملاحم من الوجع, و ربما بعض الوجع مني.
الهواجس لم تتركني, كيف تركتُ بعض تفاصيلي في أكثر من مكان و رحلت ببساطة؟
ربما يوماً يستطيعون معرفة التفاصيل من الأماكن, كل ما عليهم أن يتقنوا اللغة الخاصة بالمكان كما حدث معي, كانت لعنة, كل المعارف ملعونة لكن تلك اللعنة مُرهقة وأنا لا أشكو طوال حياتي سوى من الارهاق.

مُقتطفات من آخر بيت قديم..

 اليوم الأول: كلما دخلت المطبخ وجدتُ نفسي أصنع (نسكافيه) وأضيف له بعض الفانيليا وابتسم دون سبب, ربما جدران ذلك المكان تحمل بعض البهجة التي تركها أحدهم.

اليوم السابع: كلما أغلقت باب الشقة بعد دخولي المنزل تستقبلني رائحة مزدوجة من عطر نسائي يُشبه "المِسك" و عطر نفاذ مختلط برائحة رجولية.. لا شك أن ذلك يُسحرني.

اليوم قبل الأخير: تلك الثُرية الأثرية لونها شاحب على غير المعتاد, كأنها تموت.

اليوم الأخير: تلك البقعة شبه الدائرية على الحائط التي لم يُفلح في اخفائها الدهان الجديد, على الرغم أنني أكاد أن أجزم أنها لم تكن هنا يوم أن سكنت, لقد بدأت في الظهور حينما لمست مكانها دون قصد, لقد أخبرتني أنهُ ضربَ رأسها في ذلك المكان تحديداً, كانت مشاجرة ما من أجل أنها اتهمته باللامبالاة والغيرة في ذات الوقت, كما وشت بلاطات الممر التي بدأت تحكي عن امرأة أخرى ذات شخصية قوية تعامله كـ عرائس الماريونيت.
 هربتُ من الجلوس بجوار تلك البقعة. واخترتُ تلك الغرفة ذات الألوان المُبهجة, لم ترحمني هي الأخرى, لقد مات ذلك الطفل هنا حينما كان صوت الشجار أعلى من صوت اختناقه.
لم يتبقى لي سوى غرفة واحدة, ولم أستطع البقاء فيها أكثر من ساعة, صوت البكاء والاتهامات والوحدة جعل الأرق يلازمني سنوات بعد ذلك, هو بكى معها أيضاً, البكاء مزودج هنا وتقطعت الخيوط التي تتحكم فيها الأخرى لكن متأخراً..

يجب أن أجد مكاناً أبيت فيه تلك الليلة ومن الصباح سأغادر ذلك البيت المجنون.
"الشُرفة" لكن أثر كسر خفيف على السور أخبرني أنها أنهت الحكاية من هنا .

وقبل الصباح رحلتُ

...